هَكَذا ينشط المُنَصِّرون.. وماذا يفعل المُسلمون؟!
أطفال المسلمين في مُوَاجَهة حملات تَنصيريَّة ماكِرة
مُقَدِّمة
أصبحتْ ظاهرة التنصير منَ المواضيع المهمَّة التي طفت على سطح المشهد الإعلامي المكتوب في السنوات الأخيرة، من خلال مختلف الملفات والدراسات التي تناولت الظاهرة بالتحليل والدراسة في مختلف المجالات، بيد أنَّها أغفلت كثيرًا علاقة ظاهرة التنصير بالأطفال، وصراحة لا أنكر أنَّني كنت مترددًا وعلى وشك صرف النظر عن خوض غمار هذا المجال؛ بسبب قلة أو بالأحرى انعدام الدراسات في المجال، والتي يستند عليها الباحث في الموضوع.. بيد أنَّ توقُّفي في المدَّة القليلة الماضية على إعلان في شبكة الإنترنت[1] لموقع مسيحي كاثوليكي يشير إلى انطلاق مشروع يسمى: "البشارة للأطفال"، كان أحد الدَّوافع الأساسيَّة للكتابة في الموضوع، خصوصًا وأنَّ المشروع الآنف الذِّكْر سطرت له مجموعة من الأهداف، أذكر منها:-
- أن تكون المعرفة المسيحية العربية للأطفال سهلة الوصول إليها وواسعة الانتشار وإمكانية الحصول عليها بتكلفة بسيطة.
- وتأمين فضاء مسيحي واعٍ ومتنور للأطفال.
لقد انطلقَ هذا المشروع بأربعينَ قصة منَ الكتاب المُقَدَّس[2] في أُفُق الوصول إلى ثلاثمائة وخمسة وستين قصة مقتبسة منَ الكتاب المُقَدَّس، أي: بعدَدِ أيَّام السنة ليقرأ الطفل قصة كل يوم، في الحقيقة هذا الخبر زاد من فضولي وقوَّى عزيمتي للبحث في الموضوع، خاصة وأن بعض الدول شهدت بالفعل انطلاق إعلانات عن وسائل جديدة لتنصير الأطفال، ويتعلق الأمر بعرض في مترو أنفاق القاهرة على مدى أيام، وكذا إعلانات تلفزيونية عن قصص مرئية للأطفال تنتجها دار الكتاب المقدس.. وكان الهدف من هذا العرض هو الترويج لوسيلة من وسائل التنصير، وهي أفلام الفيديو التي تبث أجزاء من العقائد النصرانية للأطفال عبر أفلام الكارتون[3].
إذًا، فالتَّعَصُّب التنصيري أضاف إلى جعبته أسلوبًا حديثًا هو الاعتماد على الشباب والأطفال في عمليات التبشير مثلما أعلن ذلك في سادس يناير سنة 2004[4].
لكن الغريب حقًّا أنَّ الكتاب المُقَدس نفسه لم يخصص لموضوع الأطفال إلاَّ حيزًا ضيقًا[5].
كل هذه الأمور السالفة الذِّكر كانت حوافز إيجابية، لكن لا يعني هذا أن الموضوع كان سهل التناول، فعدم توقفي - حتى ولو على دراسة واحدة مستقلة - تعنى بدراسة ظاهرة التنصير وعلاقتها بالأطفال، كان أحد العراقيل التي كادت أن تعصف بفكرة الكتابة في الموضوع من أصلها.
وأَوَدُّ الإشارة إلى أنَّني سأُرَكِّز الحديث فيه عن أهمية وسائط المعرفة ودورها الأساسي في تشكيل ثقافة الطفل، وبناء شخصيته، وقد اقتصرت التفصيل على نماذج محدودة، ويتعلق الأمر بأهمية الكتاب عمومًا ويشمل القصة والمجلة، ثم تحدثت بعد ذلك عن أهمية الرسوم المتحركة في توجيه الطفل وغرس القيم لديه.
على أساس تخصيص مقال آخر لدراسة مجموعة منَ النماذج التَّنصيريَّة الموجهة للأطفال، وقد حاولت قدر الإمكان الوصول إلى الأهداف الحقيقية، من خلال فك رموز الصور والاستعانة بالشروح والتَّفاسير المسيحيَّة التي تناولت بالبيان القصَّة نفسها أو مثيلاتها، ولا أنكر أنَّ المهمة لم تكن بالهينة، فالقصص على قدر بساطة بنيتها وسهولة محتواها لاستهدافها الأطفال، بقدر ما تكون صعبة عصيَّة على تحليل دلالاتها وتفكيك رموزها.
أهمية وسائط المعرفة عند الطفل:
تشمل وسائط المعرفة مختلف وسائل الثَّقافة المتنوعة، سواء أكانت إذاعات، أم فضائيَّات، أم مطبوعات.. وهيَ في الحقيقة تحتلُّ مكانًا ثانويًّا قياسًا بالدور المهم للأسرة والمدرسة؛ لأنَّ الطفل لا يتلقى إعدادًا مباشرًا من خلاله؛ لكن خطورة هذه الوسائط لا تقل، فهي التي تكمل تعليم الطفل وتربيته، وثقافتَه؛ بل إنَّ الواقع يشهد في بعض الأحيان تفوُّق هذه الوسائط على مؤسَّسة الأسرة والتعليم؛ لأنَّ رغبة الطفل واهتمامه بها يكون تلقائيًّا واختياريًّا لا قَسْر فيه ولا إكراه، لِمَا تحويه من صنوف المُتَع الذِّهنيَّة، والتَّرفيه.. الشيء الذي يجعل لهذه الوسائط خطورة بالغة[6].
ومن هنا أصبح منَ الضَّروريِّ متابعة ما يفضِّلُه الطفل ويهتم به، وكذا المواءمة بين الكتاب وعمر الطفل في شتَّى المراحل، ومساعدته على اختيار الكتب المناسبة له، شريطة عدم فرض آراء ومزاج الكبار عليه[7]؛ فسنوات الطفولة مثلاً في الدول المتقدمة لا تنصرف دون أن يقرأ الطفل ستمائة (600) كتاب، وهو المتوسط الذي أشارت إليه "جوان إيكن" الكاتبة الإنجليزيَّة وهي تقول: "إنَّ الطفل قبل السَّادسة يجب أن يقرأَ كُتُبًا مُصورة عددها نحو المائة"[8].
1- قصص الأطفال:
فقصص الأطفال مثلاً تعد منَ الوسائل الإيجابيَّة في تربية وتثقيف الطفل؛ ولذلك ينبغي أن تعكس الواقع الذي يعيشه الطفل مع شيء منَ الإثارة والتَّشويق، وتكون وسيلة لتشكيل وجدان وشخصية وميول الطفل العربي[9]، وتُعَد القصَّة أيضًا من أنجع الوسائل للوصول إلى قلب الطفل، ولا يعادلها في ذلك أي رسالة إعلاميَّة أخرى، ولا أي وسيلة منَ الوسائل، فقد يستحوِذ الأب أو الأم على قلب الطفل من خلال هدية جميلة، أو مبلغ منَ النقود، ولكن سرعان ما يزول أثر تلك الهدية بمجرد اعتيادها أو قدمها، أو بمجرد صرف النقود.. ولكن أثر القصة يبقى في عقل الطفل ووجدانه، يحيا بين أبطالها، وينسج لنفسه خيالات واسعة بين أحداثها[10].
وجدير بالذِّكر أنَّ القصَّة تعتبر جسرًا للتَّواصل بين الآباء والأبناء ينفذ من خلالها الأب إلى قلوب أولاده وإلى عقولهم فيشكلها كيفما شاء[11]، وبها تنقل للمتلقي الأفكار المجردة الصعبة بسهولة ويسر[12].
ولأهمية القصة وتأثيرها الفَعَّال في النَّفس البشريَّة نرى المولى - جل وعلا - يفرد صورة كاملة في القرآن الكريم سَمَّاها: "سورة القصص"، وقد تَحَدَّثَ أيضًا عن نماذج كثيرة فيما قصَّه عن طفولة أنبياء الله - عَزَّ وجَلَّ، وهي نماذج حيَّة فاضلة عن طهارة تربيتهم واستقامتهم في طفولتهم، ويحكيها لنا القرآن الكريم عن هؤلاء الأصفياء الكرام كإبراهيم، وإسحاق، ويوسف، وموسى، وعيسى، ومحمد - عليهم أفضل الصلاة - وأزكى التسليم، وليس هذا فحسب بل يسوق الباري - عَزَّ وَجَلَّ - في أكثر من موضع ألوانًا شَتَّى منَ القصص والحكايات أملاً في الهداية والإصلاح، ويقول الله - عَزَّ وجَل -: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}[13]، وفي آية أخرى يقول الله تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[14].
وإذا كان هذا حال القصَّة مع القلوب الجامدة الغليظة المنكرة لعبادة الله وحده، فكيف يكون الحال مع قلوب الأطفال وفطرتهم لا زالت سليمة؟!
بلا شك سوف تُحدِث عظيم الأثر وتؤتي أجود الثمار.
ومن هذا المنطلق قام المُنَصِّرون بتخصيص قصص الأطفال ضمن أهم الوسائل ا
المزيد