“هانحارب.. هنحارب تل أبيب الأرانب” (2)

أكتوبر 29th, 2009 كتبها محمود خليل نشر في , أنا من البلد دى

"هانحارب.. هنحارب تل أبيب الأرانب" (2)

أنا والسادس من أكتوبر

بقلم: محمود خليل

أما يوم السبت السادس من أكتوبر عام 73 فقد كان يوما عاديا كباقى الأيام حيث أيقظتنى أمى فى الثامنة صباحا استعدادا للذهاب إلى المدرسة, حيث قمت باستكمال كتابة الواجب المدرسى فالكهرباء لم تكن قد دخلت بعد إلى منزلنا, وكنا وقتها نذاكر حتى السابعة أو الثامنة مساء على لمبة الجاز نمرة خمسة أو نمرة عشرة, وحينما وصل ظل الشمس على الأرض إلى نقطة معينة أمام المنزل وكانت توازى الساعة العاشرة صباحا, فلم نكن وقتها نمتلك ساعة حتى نعرف منها الوقت, ورغم أنه كان لدينا راديو ترانزسستور نستمع إليه فقد كان دائم العطل ويحتاج دائما إلى تغيير البطاريات الطورش التى لم تكن تستمر أكثر من ثلاثة أيام وكان ثمن البطارية الواحدة فى ذلك الوقت خمسة قروش -حسب ما أتذكر- بينما راتب والدى وقتها لا يتجاوز -حسب ما أتذكر- أحد عشر جنيها فى الشهر, كان ينفق على متطلبات أبى وأمى وأختى وأخى وأنا بالطبع, ونشيد به منزلنا, فى ذات الوقت, فكان أبى يشترى كل شهر ألف طوب أحمر وسيارة رمل وعدد من شكائر الأسمنت ويأتى البنا ليبنى الألف طوبة وهكذا حتى أتمم أبى بناء الدور الأرضى وتم تعريشه بالبوص واكان يوما مشهودا لنا حينما قام أبى بصب خرسانة سقف حجرة واحدة, وبعد عامين أو ثلاثة تمكن والدى –رحمة الله عليه- من صب خرسانة الدور الأرضى كله, على أية حال ارتديت ملابس المدرسة وكانت عبارة عن "مريلة بيج وشنطة قماش بيج أيضا وحذاء أسود" وودعتنى أمى بدعواتها بالتوفيق ونصائحها ألا أتلكأ فى الطريق وألا أكلم أحدا أو أن يطلب منى أحد أن اذهب معه وأطيعه.

وصلت مدرستى -مدرسة شجرة مريم الإبتدائية بالمطرية- قبل الحادية عشرة قبل الظهر, سائرا على الأقدام –حوالى كيلومترين- فقد كانت هى المدرسة الإبتدائية الوحيدة فى المطرية, كانت المدرسة قد طلت زجاجها باللون الأزرق, مثل باقى المبانى الحكومية ومنازل الأهالى التى طلى زجاجها بهذا اللون خوفا من الغارات الإسرائيلية, وأمام بوابتها بنى حائط من الطوب بارتفاع البوابة, وقد أقيمت تلك الحوائط أمام بوابات المصالح الحكومية والمنازل أيضا, حماية للأهالى من شظايا القنابل فى حالة وقوع غارات إسرائيلية.

دخلت المدرسة فى الحادية عشرة إلا ربع فقد كنت ضمن تلاميذ الفترة المسائية, وبعد دقائق دق جرس المدرسة إيذانا ببدء الطابور, انتظمنا فى الطابور ووقف كل مدرس ومدرسة أمام طابور فصله, وتم تأدية التمام منهم للناظر بعد أن قام كل مدرس ومدرسة فصل بالمرور على تلاميذ فصله وتأكد كل منهم أن أظافرنا مقصوصة وشعورنا محلوقة, ونظيفة, وأحذيتنا لامعة, ومرايلنا مكوية, ثم أستمعنا إلى القرآن الكريم ثم أخبار الصباح ثم تحية العلم, ثم كلمة الناظر, الذى أعطى الأذن ببدء التحرك إلى الفصول على وقع طبلة "الطرمبيطة".

بدأنا الحصة الأولى وسارت الأمور على طبيعتها إلى أن صدرت تعليمات أثناء الحصة الثانية لمغادرة المدرسة وقالوا لنا: "يالا.. مرواح", ب

المزيد


“هانحارب.. هنحارب تل أبيب الأرانب” (1)

أكتوبر 29th, 2009 كتبها محمود خليل نشر في , أنا من البلد دى

"هانحارب.. هنحارب تل أبيب الأرانب"(1)

أنا والسادس من أكتوبر

بقلم: محمود خليل

 

حينما وقعت هزيمة 67 كنت فى بداية المرحلة الإبتدائية, كان الحزن يلف الوطن بأكمله وحالة من اللامبالاة والإحباط تسيطر على المواطنين, خاصة أفراد القوات المسلحة الذين كنت أشعر بمدى الضغط الذى يعيشون فيه, والعصبية التى كانت تنتابهم, وكان الشباب يعيش حالة من الضياع, وبالطبع كانت الظروف المادية صعبة جدا وكان الزواج كذلك, فمن يتخرج يتم تجنيده ولا يدرى متى يخرج من الخدمة حتى أن بعضهم قضى أكثر من سبعة أعوام فى القوات المسلحة, أما عن الأجهزة الكهربية والسيارات وحتى بعض السلع الإستهلاكية فكانت تعانى من احتكار البعض ولا تستطيع الحصول عليها إلا بالواسطة أو بالرشوة, بخلاف أزمة المساكن وأزمة المواصلات, والحالة السيئة التى وصلت إليها المرافق العامة من كهرباء ومياه وصرف صحى وتليفونات وطرق, حتى أن بعض المشروعات كأحد الكبارى مثلا بطول كيلو متر يظل العمل فيه 25 سنة كاملة, ورغم ما نعانيه من فساد ونهب وسلب هذه الأيام, فسنوات الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضى لا تقارن أبدا بما نعيشه حاليا, حيث كان الدخل القومى كله موجها إلى المجهود الحربى, وشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" يسيطر على الساحة المصرية, ومن كان ينتقد أو يعارض كان مصيره الاعتقال, ويحبس بدون محاكمة, حتى أن البعض ظل فى السجن سنوات عديدة ولم يفرج عنه إلا بعد حرب أكتوبر, فقد نسى طوال هذه السنوات داخل المعتقل.

إذن, فسنوات حكم عبد الناصر ليس كما يدعى سدنة الناصرية ومن يرتدى قميصه لم تشهد مصر مثيلا لها من حيث الرخاء والحرية, وأن كل شى

المزيد