هل هناك عاقل يقول أن المسيح إله (11)
كتبهامحمود خليل ، في 27 أبريل 2008 الساعة: 13:37 م
هل هناك عاقل يقول أن المسيح إله (11)
لماذا يرهب المسيحيون كل من يفند عقيدة التثليث ويقول أن المسيح بشرا رسولا ؟
المسيحيون يفشلون فى الرد على اثنا عشرة سؤالا عن المسيح!!
الله سبحانه وتعالى يسأل عيسى عن من ألهوه فيتبرأ منهم؟
ثم يوبخ المسيحيين بسؤاله: كيف يأكل الخالق طعاما مثل البشر؟
القرآن الكريم يرد على المسيحيين ويتوعدهم بالنار
بقلم: محمود خليل
لم يكن الشك فى عقيدة التثليث التى يؤمن بها المسيحيون وأيضا إيمانهم بأن عيسى عليه السلام هو الله –تعالى الله سبحانه وتعالى عما يقولون- أو إنه ابن الله –حاشا لله سبحانه وتعالى أن يكون له ولد- وليد اليوم ولكنه من يوم بدأ المسيحيون تأليه عيسى عليه السلام والقول بالتثليث.
وكان أول من عرض لهذا الأمر هو أريوس السكندري, حيث أعلن أنه (إذا كان الابن من نسل الأب فلا بد أن تكون ولادته قد حدثت فى زمن لاحق, وعلى هذا لا يمكن أن يكون الابن متفقاً مع وجود الأب فى الزمن, كما أنه إذا كان المسيح قد خلق فلا بد أن يكون خلقه من لا شئ أي من غير مادة الأب, لأن المسيح والأب ليسا من مادة واحدة, وقد ولد الروح القدس من الكلمة, وهو أقل ألوهية من الكلمة نفسها).
لما كان أريوس مؤيداً بعدد كبير من رجال الدين ارتعب الأسقف الكسندر من هذه الآراء, فدعا مجلس الأساقفة المصريين إلى الاجتماع فى الإسكندرية, وأقنع أعضاءه بتجريد أريوس وأتباعه, وأبلغ الإجراءات التي اتخذها المجلس إلى سائر الأساقفة, لكن الجدل ظل قائماً بين المؤيدين والمعارضين, مما دعا الملك قسطنطين إلى دعوة أول مجلس عام للكنيسة لوضع حد لهذا الخلاف الذى اشتعلت نيرانه فى بلاد الشرق اليوناني, فانعقد سنة 325م مجمع الثلاثمائة والثمانية عشر – فى نيقيا- يصحبهم حشد كبير من رجال الدين الأقل درجة, وأصدروا بيانا حاول أن يوازن بين المؤيدين والمعارضين جاء فيه يقول:- (نؤمن بإله واحد, أب ضابط الكل, خلق السماوات والأرض, كل ما يرى وما يرى, وبرب يسوع المسيح, ابن الله الوحيد المولود من الأب, قبل كل الدهور, نور من الله, إله حق من إله حق, مولود غير مخلوق, مساوً الأب فى الجوهر, الذي به كان كل شيء, الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتأنس وصلب على عهد بيلاطس النبطي, وتألم وقبر, وقام فى اليوم الثالث كما فى الكتب, وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب وأيضا فسيأتي بمجده ليدين الأحياء والأموات, الذي لا فناء للملكة, وبروح القدس الرب المحى, المنبثق من الأب, مع الأب والابن, مسجود له وبمجد الناطق فى الأنبياء, وأعتقد بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسوليه, واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا, وإرجاء قيامة الموتى, وحياة الدهر الآتي, آمين) "بالذمة حد فاهم حاجة"؟!!
وتم الحكم على أريوس ومؤيديه باللعنة والحرمان, ونفاهم قسطنطين من البلاد, وصدر مرسوم إمبراطوري بإحراق كتب جميع أريوس وصار إخفاء أي كتاب منها جريمة يعاقب عليها بالإعدام.
ومما لا شك فيه أن القول بالأزلية أو الألوهية يثير أكثر من سؤال ليتنا نسمع إجابة عليها من المسيحيين الذين يقولون بهذا الرأى وهذه الأسئلة هى:
* كيف يعيش الله فى رحم امرأة؟
* هل تصبح مريم زوجاً للإله فى هذه الحالة أم تكون أما له؟
* كيف تصبح مريم زوجاً للإله وهى على ذمة يوسف النجار حسب ادعاء المسيحيين؟
ألا يفتح الطريق بهذا القول لليهود فيصفونه عليه السلام بأنه ابن زنا وهذا ما حدث بالفعل؟! * إذا كانت مريم ابنة عمران أما لله فهل تغذى جسد الله من دمها أم كيف تغذى وهو داخل رحمها؟
* ألا تصبح مريم أم الرب آلهة هي الأخرى, مع أنها ابنة عمران؟
* حين كان الرب جنيناً فى رحم مريم ابنة عمران, هل فقد الرب شيئاً من صفات الألوهية؟
* هل كان الرب يدير الكون من داخل الرحم, أم كان فى إجازة, أم كان الكون يسير بقوة الدفع الذاتي؟ أم كان هناك إلها يدير الكون؟ أم أوكل الرب إدارة الكون لأحد الآلهة الأخرى حتى يخرج من رحم أمه ويكبر ويصير قادرا على إدارة الكون بنفسه؟ وإذا كان ذلك كذلك فما كنه هذا التوكيل؟ وكيف تم؟ وأين تم توثيقه؟ ومن هم الشهود عليه؟
* كيف يكون عيسى إلها ويتم ختانه كباقى البشر؟
* كيف يكون عيسى إلها وتدخله أمه مريم الكتاب شأنه شان أنداده من صبيان اليهود ليتعلم العلم البشرى؟
* حين ولد الرب وباشر حياة الناسوت هل كان يباشر حياة اللاهوت فى ذات الوقت؟
* كيف يكون عيسى إلها ولا يستطيع الدفاع عن نفسه حينما أذاه اليهود والرومان وطاردوه حتى صلبوه على الصليب ودقوا يديه وقدميه بالمسامير؟
* إذا كان الأب والابن وروح القدس ثلاثة فى واحد….!!! هل أستطيع أن أقول:" الابن وروح القدس والأب"؟؟؟ او أقول "روح القدس والأب والابن"…؟؟؟
يا أصحاب العقول أن الله تعالى بين أمر المسيح فقال لرسوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} يعني أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي لا يعجزه شيء بل هو القدير الفعال لما يشاء {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم.
قال الله تعالى: {فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه فمن قائل من اليهود: إنه ولد زانية، واستمروا على كفرهم وعنادهم حتى اليوم ولم يستطع المسيحيون الوقوف فى وجههم أو طلب تغيير تلك المقولة لأن اليهود والمسيحيين على ملة واحدة.
وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله.
وقال آخرون: هو ابن الله.
أما المؤمنون فقالوا: هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون والمثابون والمؤيدون المنصورون ومن خالفهم في شيء من هذه المعتقدات فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم بقوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
وقال إسحاق بن بشر: أنبأنا عثمان بن ساج وغيره، عن موسى بن وردان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وعن مكحول عن أبي هريرة قال: إن عيسى بن مريم أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل فمجد الله تمجيداً لم تسمع الآذان بمثله لم يدع شمساً ولا قمراً ولا جبلاً ولا نهراً ولا عيناً إلا ذكره في تمجيده فقال: "اللهم أنت القريب في علوك، المتعال في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، أنت الذي خلقت سبعاً في الهواء بكلماتك مستويات طباقاً أجبن وهن دخان من فرقك فأتين طائعات لأمرك، فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك، وجعلت فيهن نوراً على سواد الظلام وضياء من ضوء الشمس بالنهار، وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد، فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك، وجعلت فيهن مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران، فتباركت اللهم في مفطور سماواتك وفيما دحوت من أرضك دحوتها على الماء فسمكتها على تيار الموج الغامر، فأذللتها إذلال التظاهر، فذل لطاعتك صعبها واستحيا لأمرك أمرها وخضعت لعزتك أمواجها، ففجرت فيها بعد البحور والأنهار ومن بعد الأنهار الجداول الصغار ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار، ثم أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتاداً على ظهر الماء، فأطاعت أطوادها وجلمودها فتباركت اللهم فمن يبلغ بنعته نعتك أم من يبلغ بصفته صفتك، تنشر السحاب وتفك الرقاب وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين، لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب، لا إله إلا أنت سبحانك سترت السماوات عن الناس، لا إله إلا أنت سبحانك إنما يخشاك من عبادك الأكياس، نشهد أنك لست بإله استحدثناك، ولا رب يبيد ذكره، ولا كان معك شركاء فندعوهم ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، نشهد أنك أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد".
وقال إسحاق بن بشر: عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، أن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلاً حتى بلغ ما يبلغ الغلمان. ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول، وكانوا يسمونه ابن البغية وذلك قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}.
قال: فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب، فجعل لا يعلمه معلم شيئاً إلا بدره إليه، فعلمه أبا جاد فقال عيسى: ما أبو جاد؟ فقال المعلم: لا أدري فقال عيسى: كيف تعلمني ما لا تدري؟ فقال المعلم: إذاً فعلمني. فقال له عيسى: فقم من مجلسك. فقام فجلس عيسى مجلسه فقال: سلني. فقال المعلم: فما أبو جاد؟ فقال عيسى: الألف آلاء الله والباء بهاء الله والجيم بهجة الله وجماله. فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد.
وبعد أن حاججنا المسيحيين عن افتراءاتهم على المولى عز وجل وعلى عيسى ابن مريم عليه السلام رسول الله ومبعوثه إلى اليهود ننتقل إلى القرآن الكريم لنرى كيف يرد المولى عز وجل على هؤلاء المفترين الذين وصفهم بالكفر وحينما نصفهم بذلك فالوصف ليس من عندياتنا ولكنه قول العزيز الحكيم ولنرى أيضا كيف توعدهم الله سبحانه وتعالى بالعذاب الأليم يوم القيامة ففروا إلى الله يا أصحاب العقول قبل أن يأتى يوم لن ينفعكم فيه بولس و لا يوحنا و لا لوقا ولا شنودة ولا بطرس يقول تبارك وتعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً، لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً}.
وقال الله تعالى في سورة المائدة: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابن مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
فأخبر تعالى بذلك عن كفر وجهل من يقول أن الله ثلاثة أو أن عيسى ابن مريم هو الله أو أنه ابن الله وبين أنه سبحانه وتعالى هو الخالق القادر على كل شيء وأنه رب كل شيء ومليكه وإلهه وقال في أواخرها: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابن مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إسرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَا الْمَسِيحُ ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.
لقد حكم الله تعالى بكفرهم شرعاً وقدراً فأخبر أن هذا صدر منهم مع أن الرسول إليهم هو عيسى بن مريم، وقد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق مصور في الرحم داعٍ إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتوعدهم بالنار وعدم الفوز بدار القرار والخزي في الدار الآخرة والهوان والعار، أن قالوا عن المسيح ابن مريم غير ذلك ولهذا قال: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}.
ثم قال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} قال ابن جرير وغيره: المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة: أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، على اختلافهم في ذلك ما بين الملكانية واليعقوبية والنسطورية، عليهم لعائن الله كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس، وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة.
ولهذا قال تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي وما من إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا كفؤ له ولا صاحبة له ولا ولد، ثم توعدهم وتهددهم فقال: {وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال: { أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
ثم بين سبحانه حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول وأمه صديقة، أي ليست بفاجرة كما يقول اليهود لعنهم الله، وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعم آخرون وقوله: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما، أي ومن كان بهذه الكيفية والصفات كيف يكون إلهاً! تعالى الله عن قولهم وجهلهم علواً كبيراً.
وقال السدي وغيره: المراد بقوله {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} زعمهم في عيسى وأمه أنهما الإلهان مع الله، يعني كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمٌُ}
يخبرنا سبحانه وتعالى أنه سيسأل عيسى بن مريم عليه السلام يوم القيامة على سبيل الإكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه ممن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله، أو أنه الله أو أنه شريكه، تعالى الله عما يقولون، فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه ولكن لتوبيخ من كذب عليه فيقول له: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} أي تعاليت أن يكون معك شريك {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي ليس هذا يستحقه أحد سواك {إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ} وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} أي ما قلت غير ما أمرتني عليه حين أرسلتني إليهم وأنزلت عليَّ الكتاب الذي كان يتلى عليهم. ثم فسر ما قال لهم بقوله: {أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} أي خالقي وخالقكم ورازقي ورازقكم {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} أي رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي فرحمتني وخلصتني منهم وألقيت شبهي على أحدهم حتى انتقموا منه فلما كان ذلك {كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد}.
ثم قال على وجه التفويض إلى الرب عز وجل والتبري من أهل النصرانية: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أي وهم يستحقون ذلك {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمٌُ} وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة بالشرط لا يقتضي وقوع ذلك، ولهذا قال {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمٌُ} ولم يقل الغفور الرحيم.
وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذر أن رسول صلى الله عليه وسلم قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمٌُ} وقال: إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً. وقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ}.
وقال تعالى: {لو أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ}.
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ، سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}.
وقال تعالى: {وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}.
وقال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}.
وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: "شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، يزعم أن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد".
وفي الصحيح أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم". ولكن ثبت في الصحيح أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.
وهكذا قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ}.
وقال تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ}.
وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} وقال تعالى: {فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}.
اللهم أنى قد بلغت فاشهد, وأكتب ما كتبت فى صحائف حسناتى, وأجعل ما كتبت شاهدا على كل من يقول عنك ما لم تقله عن نفسك, وحجة على كل ما يصفك بأوصاف لا تليق بمقامك العظيم.
يارب العالمين ندعوك أن تغفر لنا خطايانا, وتشرح قلب من أراد القرب منك بالإسلام, والشهادة بأنك لا إله إلا أنت وأن محمدا رسول الله وخاتم النبيين, ونشهد أنك إلهنا الواحد الأحد, وأن القرآن العظيم كتابنا وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو رسولنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 11th, 2008 at 11 يونيو 2008 11:17 م
بارك الله فيك