حتى تعود لافتة شقة للإيجار ونقضى على الجشع والسعار؟
كتبهامحمود خليل ، في 17 ديسمبر 2007 الساعة: 20:54 م
حتى تعود لافتة شقة للإيجار ونقضى على الجشع والسعار؟
بقلم: محمود خليل
كان المصريون حتى نهاية الستينات ينتنقلون من شقة إلى أخرى, بكل يسر وسهولة وكان الملاك يعلقون يافطة للإيجار, و يبخرون شققهم ليتمكنوا من تأجيرها, وبعضهم كان يجلب قراء القرآن الكريم لتلاوة آيات من الذكر الحكيم بها, لطرد الشياطين والجان منها, و كان المالك يدهن الشقة للساكن حتى يغريه بتأجيرها, و كان المالك يقوم أيضا بكافة أعمال الصيانة الدورية للمسكن, وكان إيجار الشقة يتراوح بين 5 جنيهات و7 جنيهات, فى أرقى مناطق القاهرة وقتذاك مثل جاردن سيتى, والزمالك, ومصر الجديدة, وكان هذا الإيجار يمثل حوالى 20 % من راتب الموظف في ذلك الحين، وهو المبلغ الذى كان يمكن المواطن من شراء حوالى 12 كيلو لحمة, فى حينها أيضا!! أما اليوم فإن إيجار الشقة فيبلغ أحيانا أكثر من ثلاثة أرباع الدخل وأحيانا يفوق دخل الموظف ويضطر إلى العمل فى أعمال أخرى للأنفاق على باقى متطلباته ومتطلبات أسرته, التى تضاعفت بشكل غير مسبوق خلال السنوات العشر الماضية ولم يعد فى مقدور الموظف بل كثير من المواطنين شراء كيلو لحمة؟! وانتشرت الرشاوى بين الموظفين بحثا عن أموال لتغطية تكاليف ونفقات الحياة المسعورة!!
لقد بدأت أزمة السكن فى مصر بعد صدور قانون الإيجار أو ماسمى بقانون العلاقة بين المالك والمستأجر, والذى أصدره عبد الناصر بدافع من الحقد ضد الملاك, ولكسب تأييد رخيص من المستأجرين وهم غالبا فئة العمال والموظفين, حيث قضى هذا القانون بتخفيض إيجارات المساكن مابين 10% إلى 30%، وأعطت الساكن حق الإيجار الأبدى للمسكن بل وتوريثه لأولاده، ونص أيضا على عدم رفع الإيجار نهائيا, وبذلك تحول المستأجر إلى مالك!! ولم يمض غير سنتين أو ثلاثة -أى فى منتصف الستينات- على صدور هذا القانون الغبى, حتى بدأ انهيار الصيانة للمساكن, ثم كانت سنة النكسة والتهجير وأصبح من المستحيل بدءا من نهاية عام النكسة (1967) أن تجد شقة للإيجار, بعد أن تم تسكين المهاجرين بالقوة فى المحافظات التى هجروا إليها, وبدأت ظاهرة الخلوات تطفو على السطح, مما دفع عبد الناصر إلى إصدار قانون بتجريم خلو الرجل, و قسى على الملاك بشدة لدرجة أن الملاك كانوا يضربون فى أقسام الشرطة أذا شكى مواطن من أنه دفع خلو لأحد الملاك, وكانت النتيجة إن الملاك الجدد من أصحاب العمارات توقفوا عن بناء المساكن, وكان من يبنى يترك العمارة خالية حتى يكبر أولاده ليجدوا سكنا لهم, وحينما تدخلت الحكومة للقضاء على هذه المشكلة قامت ببناء مساكن أطلقوا عليها المساكن الشعبية وهى مساكن كئيبة الشكل, صغيرة الحجم, حقيرة المعنى, إذ انه أخذ النموذج الشيوعى من الاتحاد السوفيتى والدول الاشتراكية الأخرى وطبقه دون أدنى معالجة له ليتواءم مع الحياة المصرية, بمرور الوقت تحولت هذه المساكن الشعبية إلى بؤر للجريمة, الشذوذ بكافة أنواعه, حتى جاء وقت كان المصريون حينما يريدون شتيمة احد, كانوا يقولون له, يبدو أنه من المساكن الشعبية!! أو اتركوه فهم تربية مساكن!! بينما كان البعض يرفض الزواج من أبناء هذه المساكن!! وبدافع من الحقد أيضا بنى هذه المساكن فى مناطق داخل الأحياء الراقية فاختلط هؤلاء بهؤلاء وبدلا من أن يرتفع مستوى هؤلاء اختلطت هذه الفئات بعضها البعض, وتدهورت الأخلاق بشكل كبير, ولم يعد هناك مناطق راقية, وأخرى متدنية, وكأن عبد الناصر كان يريد تذويب الفوارق كلها بين جميع الطبقات تطبيقا للنظريات الشيوعية!!
ثم يرفع عبد الناصر شعاره الخالد خلوده هو أيضا "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة", ثم دخل الروس مصر, لتصبح أزمة السكن فى مصر مسألة بلا حل, وترك عبد الناصر المصريون ورحل إلى العالم الآخر, وهم يضربون كفا بكف, كيف يتركهم عبد الناصر فى هذا الوقت, وقد أغرقهم فى مشكلات أزمات لا حصر لها, وبعدما ترك لهم تركة كبيرة من الأحقاد و الصراعات والهزائم, مازلنا نعانى منها حتى اليوم!! و لهذا السبب فقط خرج المصريون ولم يخرجوا لسبب آخر ولهذا كان المصريون يقولون لماذا تركتنا ولمن يا ناصر؟
أذن لقد مات عبد الناصر وظل الحال على ماهو عليه حتي كانت حرب أكتوبر وما أعقبها من ارتفاع أسعار البترول وهجرة المصريين لدول الخليج وعودتهم بالأموال التي رفعت أسعار كل شئ فى مصر فيما بعد, واستمرت مستويات المعيشة تزداد زيادات فوق قدرة واحتمال غالبية الشعب المصرى, مع زيادة معدلات التضخم السنوية, وأصبح إيجار الشقة فى أوائل السبعينات يوازى سعر سبعة كيلوجرامات لحمة !! وأصبح من يبنى إما تمليك, وإما إسكان تعاونى, وهو تمليك أيضا ولكن بالتقسيط والفوائد.
وبعد خمسين عاما من ثورته ( المباركة) تزداد الأوضاع سوءا, ورغم إلحاح الشعب على تعديل قانون العلاقة بين المستأجر المشئوم فأن جميع الحكومات التى تعاقبت منذ وفاة عبد الناصر حتى اليوم تخشى الاقتراب منه, رغم إن تعديله سوف يحل مشكلة الإسكان فى مصر حلا جذريا, إلا إذا كان هناك مستفيدون من بقاء الوضع على ماهو عليه!!.. فعلى الرغم من صدور قانون الإيجار الجديد فأنه لم يحل الأزمة, وكذلك فشل قانون التمويل العقارى فى حل الأزمة, بل إن الوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم, لأن أغلب مشاكل الاغتصاب والقتل والسرقة والرشوة سببها الأساسى عدم وجود مسكن بسعر مناسب لدخل الشاب والموظف البسيط.
والحل فى رأينا فى يد مجلس الشعب الجديد وقد مثلت فيه جماعة الأخوان المسلمين بنسبة لا بأس بها, يستطيعون من خلالها التقدم بمشروع قانون وإقراره, ينظم العلاقة بين المالك والمستأجر فيما يخص المساكن, ويراعى فيه ألا يكون مخالفا للشريعة الإسلامية, نعتقد انه يجب أن ينص على رفع الإيجارات القديمة سنويا بنسبة لا تقل عن عشرة بالمائة, ومنع امتداد عقد الإيجار إلى الأبناء الأحفاد, وإذا رغب الابن فى مد عقد الإيجار فيكون بعقد وإيجار جديدين, وإيجاد حل لمسألة الصيانة حفاظا على الثروة العقارية المصرية, و لتشجيع استثمار المواطنين لأموالهم فى مجال العقارات, للقضاء على مافيا المحليات التى تستفيد من رغبة الملاك فى هدم مساكنهم القديمة, وبناء عمارات جديدة محلها لبيعها تمليكا للمواطنين, وجنى أموالا هائلة من وراء ذلك, نعتقد أنها تدخل فى باب المحرمات لأنها تأتى من باب استغلال حاجات الآخرين, وهو ما نهت عنه الشريعة الإسلامية.
لقد أخطأ عبد الناصر بأبدية العلاقة الإيجاريه لأبناء المستأجر بل ولأحفاده!! لأن هذا القانون أو التشريع يعد مخالفا للشريعة الإسلامية, التى حافظت على الملكية الفردية, وفى نفس الوقت ضمنت حقوق المستأجرين, ولذلك نرى أن الباب مفتوحا أمام الرئيس مبارك, ليحقق عبورا اجتماعيا جديدا –هو قادر على صنعه- ونحن فى مرحلة إعادة هيكلة وبناء المجتمع المصرى فى بداية القرن الواحد والعشرون, وقد وعد بحل الأزمات التى يعانى منها المصريون خلال فترة ولايته الحالية, بأن يساند على إلغاء القوانين الاشتراكية بسبب الخراب الذى جلبته على مصر والمصريين, وأن يحرر البلاد من جميع المظاهر الشيوعية التى خلفها لنا عبد الناصر طوال سنى حكمه الثمانى عشرة, وان يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعى, إذا كنا فعلا ننادى بالفكر الجديد ونرغب فى مجتمع صحى وآمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حكمتك يارب | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























