“هانحارب.. هنحارب تل أبيب الأرانب” (1)

كتبهامحمود خليل ، في 29 أكتوبر 2009 الساعة: 18:16 م

"هانحارب.. هنحارب تل أبيب الأرانب"(1)

أنا والسادس من أكتوبر

بقلم: محمود خليل

 

حينما وقعت هزيمة 67 كنت فى بداية المرحلة الإبتدائية, كان الحزن يلف الوطن بأكمله وحالة من اللامبالاة والإحباط تسيطر على المواطنين, خاصة أفراد القوات المسلحة الذين كنت أشعر بمدى الضغط الذى يعيشون فيه, والعصبية التى كانت تنتابهم, وكان الشباب يعيش حالة من الضياع, وبالطبع كانت الظروف المادية صعبة جدا وكان الزواج كذلك, فمن يتخرج يتم تجنيده ولا يدرى متى يخرج من الخدمة حتى أن بعضهم قضى أكثر من سبعة أعوام فى القوات المسلحة, أما عن الأجهزة الكهربية والسيارات وحتى بعض السلع الإستهلاكية فكانت تعانى من احتكار البعض ولا تستطيع الحصول عليها إلا بالواسطة أو بالرشوة, بخلاف أزمة المساكن وأزمة المواصلات, والحالة السيئة التى وصلت إليها المرافق العامة من كهرباء ومياه وصرف صحى وتليفونات وطرق, حتى أن بعض المشروعات كأحد الكبارى مثلا بطول كيلو متر يظل العمل فيه 25 سنة كاملة, ورغم ما نعانيه من فساد ونهب وسلب هذه الأيام, فسنوات الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضى لا تقارن أبدا بما نعيشه حاليا, حيث كان الدخل القومى كله موجها إلى المجهود الحربى, وشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" يسيطر على الساحة المصرية, ومن كان ينتقد أو يعارض كان مصيره الاعتقال, ويحبس بدون محاكمة, حتى أن البعض ظل فى السجن سنوات عديدة ولم يفرج عنه إلا بعد حرب أكتوبر, فقد نسى طوال هذه السنوات داخل المعتقل.

إذن, فسنوات حكم عبد الناصر ليس كما يدعى سدنة الناصرية ومن يرتدى قميصه لم تشهد مصر مثيلا لها من حيث الرخاء والحرية, وأن كل شىء كان متوافرا ورخيصا كما يدعون, على العكس فالشح كان ثمة سنوات حكمه فيكفى أن يعلم الشباب اليوم أنه كان لكى تشترى بوتاجاز أو تليفزيون أو ثلاجة أو سيارة كان عليك أن تحجزها وتظل سنين عديدة حتى تحصل على السيارة النصر التى كان يصل سعرها فى ذلك الوقت إلى 1800 جنيه أما السيارة الرمسيس فكان سعرها 400 جنيه إذا لم تخوننى الذاكرة  أما بوتاجاز المصانع الـ 2شعلة ونصف الذى يصل سعره إلى 48 جنيه أما الثلاجة الإيديال 8 قدم التى يصل سعرها إلى 68 جنيه أما تليفزيون نصر اللمبات الذى يصل سعره إلى 94 جنيه, أما إن كان لديك واسطة فأنت محظوظ فسوف تحصل عليها بعد الحجز بشهور قد تصل إلى عام أما إذا كانت واسطتك ضابط كبير فيمكنك الحصول عليها خلال شهر أو أكثر قليلا, أما تركيب خط تليفون فكان من رابع المستحيلات أن تحصل عليه قبل مرور عقدين من الزمان, ناهيكم عن عمليات القمع التى كانت تمارس ضد المعارضين أو المنتقدين لقرارت ناصر العروبة ومفجر الثورة. 

على أية حال, كنت فى الرابعة الإبتدائية حينما هاجم الصهاينة مصنع أبو زعبل للصناعات المعدنية, ومدرسة بحر البقر الإبتدائية بمحافظة الشرقية, وكم تأثرنا بمشاهد القتل والدمار والدماء وصور المدرسة بعد العدوان, وكراسات التلاميذ وقد غطتها دماء وأشلاء التلاميذ الذين ألقيت عليهم قنابل الصهاينة, بخلاف المصنع الذى تهدم واستشهد وأصيب الكثير من العمال وقتها, بسبب هذا العدوان الهمجى على الأبرياء من المدنيين, وحفظنا وقتها الأناشيد والأغانى التى كانت تدعو للثأر من الصهاينة, وصنع كل منا ألبوما للصور للعدوان الصهيونى على المدرسة وعلى المصنع’ وأمتلأت قلوبنا بالرغبة فى الثأر من أخواننا تلاميذ بحر البقر وأعمامنا فى مصنع بحر البقر.

فى ذلك العام أيضا كانت الحرب على أشدها بين الفلسطينيين والأردنيين وهو ما أصطلح على تسميته بـ "أيلول الأسود", وكانت أمى -رغم أنها لا تقرأ ولا تكتب- تستمع وتتابع تلك الأخبار وتتأثر بها وتناقشها مع أبى, كما استولى خبر استشهاد المشير عبد المنعم رياض ثم وفاة عبد الناصر على اهتمام أسرتى الصغيرة وكانت محور النقاش مع ضيوفنا من الأقارب والجيران, فقد كانت السياسة تسيطر على المنازل فى تلك الأيام.

أما المدارس فى تلك الفترة فلم تكن بعيدة هى الأخرى عن الأحداث السياسية بل يمكن القول أنها كانت فى بؤرة الأحداث فالشحن المعنوى والوطنى والثأرى من الصهاينة كان يسيطر على الجميع بداية من تلميذ الإبتدائى وحتى المستويات العليا فى الحكومة, وكانت التربية القومية فى السبعينيات من القرن الماضى على أشدها فالشحن المعنوى أو التعبوى كان على قدر كبير من الأهمية فى تلك الأيام, ونعتقد أن تلك الفترة هى التى زرعت داخلى وداخل كل جيلى والجيل الذى سبقنا, حب البلد, حب مصر, ولا نطيق أحدا يريدها, أو يتحدث عنها بسوء, بخلاف التربية الدينية التى زرعت فينا المفهوم الدينى لحب الوطن والدفاع عنه والذود عن حدوده, حتى أننا كنا فى تلك السن الصغيرة نطلب من المسئولين الذهاب إلى الجبهة لمحاربة الصهاينة, ونخرج فى مظاهرات صبيانية بعد إنتهاء المدرسة ونردد "هانحارب.. هنحارب تل أبيب الأرانب", وعلى الرغم من صغر عمرنا فى ذلك الوقت فقد كنا نعلم عاصمة الصهاينة, أما اليوم فإذا سألت متخرج فى الجامعة عن اسم وزير حالى أو سابق وليس عاصمة دولة فلن يعرف, على أية حال لقد زرعت خطب عبد الناصر "العنترية" داخلنا أن هؤلاء الصهاينة مجرد أرانب إذا ظهرنا أمامهم فسوف يفرون من أمامنا كالأرانب المذعورة, بخلاف الشعارات والهتافات الأخرى وليدة اللحظة التى كنا نرددها وكانت تعبر عن حبنا للوطن ورغبتنا فى الثأر من الصهاينة.         

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أنا من البلد دى | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر