هل يحكم الإيرانيون سوريا؟ (2)
كتبهامحمود خليل ، في 12 أبريل 2009 الساعة: 16:26 م
هل يحكم الإيرانيون سوريا؟ (2)
الانتصار الفارسي وهزيمة الشّوام
الكل يعلم أن الأسد الأب أفاد من العروبة لـ "تعريب" العلويين خصوصا بعيد الضخ التضليلي الذي مارسته فرنسا الاستعمارية أول العشرينيات من القرن الماضي حيث استغلت عزلة جبل العلويين عن الوطن الأم وروجت بينهم معلومات ثبت الآن زيف ادعائها بالمطلق في تطهير عرقي وهي أن العثمانيين قد قتلوا 400 ألف علوي ومذهبي.
فبعد التنقيب في كل التسجيلات العلوية من القرن السادس عشر وحتى قيام دولة العلويين أول العشرينيات من القرن الماضي، فإنه لا يوجد في هذه المدونات أي إشارة تذكر لا إلى مذبحة ولا إلى إعدام بل فقط مجرد جوائح مرضية فيروسية كانت تضرب شمال وشرق أوروبا وانتقلت العدوى مع حروب السلطنة ومع عساكرها الذين كان منهم كثير من العلويين الذين كغيرهم نقلوا المرض إلى الجبال وحدوث وفيات بالآلاف، وهو ما استمر في الشفويات العلوية الدارجة إلى الآن حيث إذا أراد علوي أن يعبّر عن أمر جلل وخطير وهائل فيقول "الموت الأصفر" وهي منطوقة شفوية درجت مع الأطباء اليسوعيين الذين كانوا يعالجون المرضى العلويين المصابين بفيروس قاتل الشعوب: الطاعون. لقد عرف الأسد الأب أن المعلومة الفرنسية قصد منها دفع العلويين الى الانفصال وهو ماحدث في الربعية الأولى من القرن الماضي، ثم حاربها القوميون العرب في سوريا وانقلب دعاة الانفصال الى دعاة وحدة، كالشاعر الكبير بدوي الجبل منظّر الدولة العلوية وكاتبها كما ذكر هاشم عثمان في كتابه عنه "بدوي الجبل وجحيم السياسة"، إلى أهم عروبي قومي في حينه وإلى الآن تتغنى الأجيال قصائده الممجدة للعروبة.
لكن الحق يقال أن آل الأحمد وهم آباء بدوي الجبل "أحمد سليمان الأحمد" لم يتفاهموا مع النظام الحافظي وكانوا معارضين أشداء له خصوصا في مرحلة قصف وتدمير قرى مدينة حماه، لأن آل الأحمد من أعرق وأشهر العائلات العلوية المثقفة حيث كان أب العائلة الشيخ سليمان الأحمد رحمه الله عضوا في المجمع اللغوي بدمشق منذ مطلع القرن وكان صلة الاتصال الأولى مع شيعة لبنان، لم يكن أبناء الشيخ الجليل يوافقون على هذه الحرب المفتوحة على الإخوان المسلمين وأن ضرب السنة بهذا الشكل ماهو إلا إعلان خراب للديار العلوية. فكانوا يجاهرون بانتقاداتهم لمؤسسة المخابرات والجيش وحزب البعث خصوصا منهم الدكتور الراحل علي سليمان الأحمد الذي كان بيته يراقب من قبل أجهزة الأمن طيلة اليوم. حتى انتهت مأساة آل الأحمد بمقتل أحد أبنائهم في باريس حيث قامت المخابرات السورية بتصفية المعارض الذي نعتذر للقراء لنسياننا اسمه بسبب تشابه أسماء آل الأحمد ما بين أحمد ومحمد ومنير. وقامت الدولة إرضاء للعائلة الشهيرة بتعيين أحد احفاد الشيخ المؤسس، عبر تعيين الدكتور أحمد الأحمد رئيسا لمهرجان دمشق السينمائي. وللعلم فإن قرية "السلاَّطة" التي يتشيخها آل الأحمد هي بالقرب من القرداحة مما زاد من أزمة هذه العائلة ولا مجال الآن لذكر كل التفاصيل.
طول الرئيس وانعدام ثقته بنفسه
الأسد الأب عرّب العلويين بالكامل، فأمن بذلك تضييقا على الاكتساح الفارسي الشيعي للطائفة وللسوريين، والحقيقة نجح في إرضاء الخميني والحرس الثوري لكن ليس على حساب عروبة العلويين والسوريين بعامة. لكنه رحمه الله لم يؤسس لثقافة مؤسساتية واضحة المعالم وانصرف أغلب الأحيان إلى التكتيك. وما كان منه إلا أن أورث هذه الضبابية الى ابنه الذي لم يكن معدا لحكم صعب كحكم سوريا بعيد مقتل باسل في حادث سيارة، فتم إعداد بشار للسلطة واستدعاؤه من لندن على وجه السرعة ولم يكن هناك من وقت كاف لإعداده فحُكِمَت سوريا به ولم يتدرب حتى على نطق الحروف العربية في شكل جيد، ولم يتعلم مواجهة الناس بمهابة، كما حصل معه عندما انزلق من على درج الإليزية في باريس، وكما يحصل في خطاباته حيث يجف ريقه من شدة الخجل والارتباك مما يدفعه الى تناول الماء لترطيب حلقه الجاف حتى أنه أصبح أكثر رئيس في العالم يتناول الماء في خطبه كما لو أن الكلمات التي ينطق بها ليست إلا نوعاً من الملح الذي يتطلب مزيدا من الماء، فضلاً عن اضطراب الكلام في لسانه بسبب ضعف الثقة بالنفس والإحساس بعدم المقدرة على إقناع الآخرين. وهو على الرغم من طول قامته (ما يفترض أن يكسبه مزيدا من الثقة بالنفس كما يصر التحليل النفسي) فهو يتصرف كما لو أنه أقصر الناس لأن كل ما يفعله لا ينتمي إلا إلى ما يسمى في التحليل النفسي: الإحساس الدوني بالنفس. وهي من أغرب الأحاسيس على رجل يكاد يكون من أطول رؤساء العالم. ومن المعروف أن صفة الطول من أكثر الصفات الدافعة الى الثقة بالنفس كما تجمع كل مدارس التحليل النفسي. وكما تبين فإن هذه الحيثية لا تنطبق على الأسد الابن.
مع أهمية هذه الظواهر الأخيرة، إلا انها تبقى مجرد تفاصيل أمام الانهيار الدراماتيكي للعروبة في سوريا في زمن بشار الأسد، فهل أثرت سيكولوجيته تلك، كالإحساس بالدونية رغم طول القامة، على طريقة تحالفاته؟ الجواب وفورا وبلا تردد: نعم وحقاً. ومن يلاحظ فإن بشار يستخدم في خطاباته مفردات تنتمي الى عصر العبودية الروماني، كمفردة "العبْد" التي أهان بها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة. وكذلك الشعار الذي مرره الى الإعلام بمقولة "سوريا ألله حاميها" وهي تتناقض مع أدبيات مؤسسة الدولة البعثية العلمانية العروبية حيث من المنطقي أن يكون سوريا الشعب حاميها أو سوريا العرب حماتها. أما أن يكون الله تعالى فجأة في أدبيات النظام الشاب غير المتمرن فتلك غريبة عجيبة إلا أنها لها استخدامات تشبه استخدام التعريف غير القومي للهوية في الوعي الإسلامي، فإذا كان الله حاميا لسوريا فهل هذا تسهيل "لألوهيات منتصرة وتنتصر في لبنان وبلاد فارس"؟ الجواب وبالقطع: نعم وحقا..
مع توليه للسلطة أكمل بشار مشوار الأب بالتحالف مع إيران لكن ليس على قاعدة الندية أو التكافؤ، بل عبر بيع مؤسسة الدولة لشوارب حرس الثورة. ولصعوبة إمرار مثل هذا التشييع لمؤسسات الدولة السورية قام الكادر المخابراتي والإعلامي في دمشق وطهران بالخطوات التالية تسهيلا لإمرار تشييع المؤسسات:
* التركيز على ربط المقاومة بالشيعة زيادة في جاذبية الحزب وأثره في تشييع أنصاره من العلويين في الدرجة الأولى والسنة في الدرجة الثانية.
* تكبير صورة أمريكا في المنطقة كعدو قائم للعرب وذلك لإضعاف دول الخليج العربي وتشويه صورتها أمام الرأي العام، لطالما كانت دول الخليج حليفة للولايات المتحدة. وفي ذلك خدمة واضحة لإيران التي تتسلل من بوابة شيعة البحرين وشيعة الكويت لتقويض أمن الخليج العربي. والأغرب أن دولة قطر السنية الوهابية تتحالف مع حرس الثورة الآن أكثر من تحالفها مع مفتي الديار السعودية أو الأزهر المصري.
* إنشاء مراكز إعلام في سوريا تمولها السلطة كماهر الأسد وبهجت سليمان وآصف شوكت لتشويه صورة الرجل العربي عبر دوريات تصر على ربط الحيوانات بالعرب. وهنا لا يمكن لأي لبيب أن يفوته أن احتقار العربي لن يكون لخدمة مصالح أهل الأسكيمو أو حضارة الإنكا في القارة اللاتينية. احتقار العرب وبهذا الشكل العلني هو لوضع البيْض الأموي كله في السلة الإيرانية.
* الإكثار من زيارة رجال دين شيعة من ايران الى المناطق العلوية وضخ الأموال في القرى وبناء المشاريع ودعم الاستثمارات الخاصة من خلال شراكة بين رجال مال ايرانيين وضباط كبار من الطائفة العلوية كاللواء السابق وقائد القوات الخاصة علي حيدر الذي بلغت استثماراته هو وابنه ياسر مليارات الدولارات في مؤسسات تجارة وزراعة ضخمة يعمل فيها الضباط العلويون المسرحون من الجيش كمدراء أما العساكر الصغار فيعملون في الأراضي أو وظائف صغيرة.
*تصريح الرئيس السوري بضرورة التركيز على اللغة العربية في وسائل الإعلام وتعليمها للناشئة وذلك لذر الرماد في العيون بعدما اشتكى الكثير من سنّة دمشق وحلب من تعليم الفارسية في السيدة زينب وفي قرى "منّغ" الحلبية ومدينة الزهراء في ضواحيها. وهنا لا بد من عودة الى إمارة قطر أيضا حيث أسست صحفاً افتتح فيها ولأول مرة في تاريخ الإعلام العربي أقسام خاصة بالثقافة الإيرانية. ولعلم أهلنا في قطر الشقيقة فإن الاستشراق الغربي يدون في أدبياته بأنه بعيد سقوط بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي فإن الإسلام استمر وما يزال لدى الفرس في إيران، ولهذا لا يعتبر الاستشراق بأن دولة الإسلام سقطت في بغداد القرن الثالث عشر باعتبار ايران وريثة لهذه الدولة… وأن الإسلام، كدولة، منذّاك، فارسيٌّ. فهلم يعلم بذلك من يجب أن يعلموا؟!
*زيادة قبول الابتعاث الى ايران وتحديدا من الطائفة العلوية للتأثير فيهم وتشييعهم حيث بلغ عدد العلويين المبتعثين الى الجامعات الإيرانية أكثر من4000 طالب علمٍ. وعُرِف في هذا السياق أن مشائخ العلويين الآن وتحديدا من ينتمون الى عشيرة "الميلاتية" قد أعلنوا أن بشار شيَّع الطائفة العلوية وانهم لو خيروا بين التشييع والتسنن لاختاروا التسنن لأن أول أعمال الإبادة التي مورست ضد شيعة علي تمت على يد دعاة التشيع وأبطاله من أبي جعفر المنصور حتى آخر السلسلة. وانه ما النفع من تشييع الطائفة العلوية إذا كان الفارق بين عبادة علي علوياً وتقديسه شيعيا هو كالفرق بين التوائم. فالطرفان في النهاية يريان مقدرة تفوق البشر عند علي ورغم ذلك هناك دماء سالت بينهما لم تسل في خصومات أخرى. كما من شأن تشييع الطائفة تحولها عدوا وخصما دينيا وقوميا للسوريين وأن في هذا تضييعا لكل المكاسب التي تحققت أيام الأسد الاب وتهديدا لأمن العلويين الشخصي والثقافي العربي. لذلك فإن الاتصالات بين علي دوبا، الرئيس السابق للاستخبارت السورية، وهو من العشيرة الميلاتية، وبين بشار الأسد انقطعت منذ نحو أربعة سنين وعلم أن الأسد وضع دوبا قيد الإقامة الجبرية ومنع أبناء العشيرة والطائفة من الالتقاء به. ما يشي بأن انقساما حادا حصل في الطائفة وأن احتجاجات معينة ستطال الرئيس الشاب لو تجرأ وزار أي قرية علوية.
قتال السنَّة لولاية الفقيه
هذه هي أهم الخطوات التي ابتدعتها مؤسستا الأمن في طهران ودمشق. وإن كانت طهران استفادت من كل هذه التطورات الى الحد الأقصى فإن الخاسر المباشر هم العلويون الذين ضاقت خياراتهم ما بين قبول قسري للتشيع وقبول ضمني له ما يعني تحول الطائفة عدوا لمسلمي سوريا الآخرين. وما يهدد أمن الطائفة بالكامل في حال صارت جزءا لا يتجزأ من حرس الثروة الإيراني أو تتبع كحزب الله لولايته. هنا لن يتقبل المسلم السني السوري ولاية الخامنئي على أي جزء من تراب سوريا وسيعتبر أن العلويين بسبب بشار الأسد الذي ثبت تشيعه بالكامل وعُمِّد شيعيا في عام2001، قد تحولوا الى طابور خامس لتقويض الدولة.
يتفق الرأي السني على نقطة عالية القيمة في هذا المجال، وهي أن علوية العلويين وحتى عبوديتهم للإمام علي فهي لا تهدد بحال من الأحوال أمن الديار الإسلامية، فمن جهة فإن الله يهدي من يشاء، ومن جهة أخرى يظل العلويون أقلية صغيرة غير جاذبة لأن من قوانينها الداخلية الصارمة هي منع تعليم أبناء الطوائف الأخرى للديانة العلوية. وبالتالي سيظل هذا التدين الأسطوري ما قبل اسلامي في حدوده العائلية الطائفية الضيقة خصوصا لو علمنا بأن هناك كثيرا من العلويين لا يحق لهم هم أن يتعلموا الديانة العلوية فما بالك بالسني أو المسيحي. لذلك لا يرى السني السوري من ضير لا في عبادة علي أو سواه، إنما الخطر الذي يتهدد أمن الدولة السورية هي إن كانت طائفة كالعلويين ستأتمر بأمر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية عبر الولاية له بالأمر. ويقول أكثر من مصدر ديني في جامع النور بدمشق وفي هذا المجال بأن العلويين إذا تحولوا الى ولاية الفقيه فهم بذلك يعلنون الحرب على الدولة وعلى الإسلام والعروبة ونحن سنرد بالإيجاب على هذا الإعلان، فعباداتكم الله أولى بها ولن نكون أكثر حكمة منه في معالجة أمر كهذا، إنما ديننا يأمرنا بمقاتلة من يزاحمنا في ديارنا أو يخرجنا منها.
انشقاق علويّ علويّ
مصادر من داخل الطائفة العلوية أكدت ان الانشقاق حصل وتم ولم يبق إلا الإعلان عنه، وأن عشيرة الميلاتية والحدادية والمحارزة دخلوا في تحالف مضاد للكلابنة (منهم آل الأسد) والخياطية، الأخيرون الذين يتسيدون التوجه التشيعي في الطائفة بزعامة آل الأسد. وهذا هو سر الاضطرابات التي تحصل في تنقلات ضباط الجيش السوري حيث سحبت من الميلاتية امتيازات السيطرة على المخابرات وأبدلت بطواقم علوية تدربت في ايران وهم من الخياطية والكلابنه. وهو السبب وراء تسريح أقوى ضباط مخابرات من العلويين الميلاتية حيث انضموا الى زعيمهم رئيس المخابرات الأسبق علي دوبا الذي رفض بشكل قاطع استقبال موفد من الخامنئي في الفترة الأخير وتسرب أنه قال للموفد: نحن العلويين قاتلنا بأظافرنا وأسناننا لنأخذ اعتراف الإسلام بنا وأنتم تريدون الآن وضعنا على المشانق لقد مات حافظ الأسد وصلّى عليه السنة وأنتم تريدون ألا يصلي على الرئيس الحالي إلا الشيعة. هذه مجزرة وخيانة أقسم بإيماني أنني سأحاربها حتى لو حساب حياتي الشخصية. ولهذا أعربت أطراف عن قناعتها بأن الإشارة المتكررة في الإعلام السوري الى أن ابن علي دوبا موجود في السجون بسبب اتهامه بسرقة السيارات هي من انتاج جهاز الضخ الإيراني وقصد منه سحب الشرعية عن أبيه كونه يواجه تشييع الطائفة.
ماهو موقف الطائفة
تشيّع بشار الأسد رسميا وتقبيله ليد مرشد الثورة إعلانا بالولاء (لم يعلم بعد إذا ما كان آل الأخرس وهم أهل السيدة الأولى ما إذا كانوا قد تشيعوا هم أيضا مع العلم بأن آل الأخرس من العائلات السنية الشهيرة في مدينة حمص السورية)، في الواقع هو بداية النهاية له كنظام، ولم يعد مطلوبا من أبناء طائفته الكريمة إلا أن يحددوا موقفهم من تشيعه بعد أن حكم باسمهم وغدر بهم. فما هو الموقف العلوي الآن بعدما اختصرنا موقف سنة دمشق من تشيع رأس السلطة بشار واحتمالات تحول العلويين الى ولاية الفقيه وما يهدد أمن سوريا في صميمها الإسلامي والقومي, فهل يريد العلويون ولاية الفقيه أم الدولة السورية؟ وهل انهار تراث حافظ الأسد الى درجة أن خط السير ما بين جبال العلويين وطهران صار يحتاج لشرطة مرور دولية لتنظمه من شدة الازدحام؟ أسئلة أسألها لنفسي، ولكم، ولله وللتاريخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























